الكنز الدفين

الكنز الدّفين

تنبيه :
الفكرة العامّة مقتبسة من قصيدة
‘ الحرّاث وأبناؤه ‘
Le laboureur et ses enfants
لِلكَاتب الفرنسي لافونطين

نَادَى حَرَّاثٌ عَجُوزٌ أَوْلاَدَهُ الأَرْبَعَةَ وَقَالَ لَهُمْ :
- يَا أَبْنَائِي الأَعِزَّاءَ! إِنِّي مُشْتَاقٌ لِرُؤْيَةِ مَزْرَعَتِنَا الَّتِي قَضَيْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ فِي حَرْثِهَا وَخِدْمَتِهَا دُونَ أَنْ أُفَارِقَهَا يَوْماً وَاحِداً. وَهَا هُوَ ذَا الْمَرَضُ أَقْعَدَنِي عَنِ الْعَمَلِ وَحَرَمَنِي مِنْ إِلْقَاءِ نَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ عَلَيْهَا مُنْذُ سِتَّةِ شُهُورٍ.
فَهِمَ الاِخْوَةُ أَنَّ وَالِدَهُمْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ صَرَاحَةً حَمْلَهُ لِزِيَّارَةِ ‘ الأَرْضِ ‘، لَكِنَّهُمْ سَكَتُوا لِحَاجَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ1.
عِنْدَهَا، كَرَّرَ الشَّيْخُ كَلاَمَهُ مَرَّةً ثَانِيَّةً وَثَالِثَةً، فَاضْطَرَّ الأَوْلاَدُ أَخِيراً لِتَلْبِيَةِ رَغْبَتِهِ، ثُمَّ جَهَّزُوا عَرَبَةً وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الْمَزْرَعَةِ وَهُمْ كَارِهُونَ.
كَانَ الطَّرِيقُ مَحْفُوفاً بِحُقُولٍ شَاسِعَةٍ لاَ يَحُدُّهَا الْبَصَرُ، وَكَانَ النَّسِيمُ يَهُبُّ فَوْقَهَا فَتَمُوجُ سَنَابِلُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ2.
أُعْجِبَ الشَّيْخُ بِهَذَا الْمَنْظَرِ الْجَمِيلِ وَفَرِحَ كَثِيراً، حَتَّى إِنَّهُ نَسِيَ مَرَضَهُ، وَرَاحَ يُرَدِّدُ بِدُونِ انْقِطَاعٍ وَبِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ :  » اللَّهْ اللَّهْ، مَا شَاءَ اللَّه! مَا شَاءَ اللَّه!… »
لَمَّا أَشْرَفَتِ الْعَرَبَةُ عَلَى الْمَزْرَعَةِ، اِنْدَهَشَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ وَلَمْ يُصَدِّقْ عَيْنَيْهِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ :
 » مَا هَذَا؟ أَرَى الأَرْضَ حَمْرَاءَ جَرْدَاءَ، لاَ زَرْعَ فِيهَا وَ نَبَاتَ! أَلَمْ نُخْطِئِ الطَّرِيقَ؟ لاَ، لاَ، هِيَ بِعَيْنِهَا! لَقَدْ سَلَكْتُهَا مَعَ أَبِي وَعُمُرِي خَمْسُ سَنَوَاتٍ!  »
نَظَرَ الشَّيْخُ جَيِّداً وَأَضَافَ :  » ثُمَّ هَا هِيَ ذِي شَجَرَةُ التِّينِ فِي مَكَانِهَا، وَبِقُرْبِهَا الصَّبَّارُ3 الَّذِي غَرَسْتُهُ بِيَدِي! اَلْمَزْرَعَةُ مَزْرَعَتُنَا، لاَ شَكَّ فِي ذَلِكَ. لَكِنْ، مَا أَصَابَهَا؟ »
…وَأَخِيراً تَفَطَّنَ الْمِسْكِينُ وَفَهِمَ لِمَاذَا تَمَاطَلَ أَبْنَاؤُهُ فِي الاِسْتِجَابَةِ لِطَلَبِهِ. إِنَّهُمْ أَهْمَلُوا ‘ الأَرْضَ ‘! إِنَّهُمْ هَجَرُوهَا بِمُجَرَّدِ مَا لَزِمَ الْفِرَاشَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ!
اِعْتَصَرَ قَلْبُ الرَّجُلِ الْهَرِمِ أَلَماً وَحُزْناً، إِلاَّ أَنَّهُ تَجَلَّدَ وَحَبَسَ دَمْعَةً كَادَتْ تَنْزِلُ عَلَى خَدِّهِ الْمُتَجَعِّدِ. وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَتِ الْعَرَبَةُ، كَانَ قَدْ نَجَحَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ.
نَزَلَ الْوَالِدُ بِمُسَاعَدَةِ أَوْلاَدِهِ فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ وَشَرَعَ فِي عُبُورِ الْمَزْرَعَةِ طُولاً وَعَرْضاً، يَنْتَقِلُ بِبُطْءٍ مِنْ أَطْرَافِهَا إِلَى وَسَطِهَا، وَمِنْ وَسَطِهَا إِلَى أَطْرَافِهَا، دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بَكَلِمَةٍ. وَمِنْ حِينٍ لآِخَرَ، يَتَوَقَّفُ وَيُمَرِّرُ أَصَابِعَهُ النَّحِيفَةَ عَلَى لَحْيَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَيُطْرِقُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَتَذَكَّرُ أَمْراً هَامّاً نَسِيَهُ.
وَأَحْيَاناً أُخْرَى، كَانَ يَنْحَنِي إِلَى الأَرْضِ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ ثَمِينٍ ضَاعَ مِنْهُ. ثُمَّ يَأْخُذُ حَفْنَةَ تُرَابٍ فَيَشُمُّهَا مِثْلَمَا يَشُمُّ الصَّبِيُّ زَهْرَةً عَطِرَةً. أَمَّا أَبْنَاؤُهُ، فَقَدْ رَاحُوا يَتْبَعُونَهُ فِي خَطَوَاتِهِ الثَّقِيلَةِ، يَمْشُونَ إِذَا مَشَى، وَيَقِفُونَ إِذَا وَقَفَ، وَكُلُّهُمْ خَجَلٌ وَاسْتِغْرَابٍ،يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِالنَّظَرِ :
- مَاذَا أَصَابَ الْوَالِدَ فَجْأَةً؟ لِمَاذَا هَذَا السُّكُوتُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَنْتَظِرُ فِيهِ أَنْ يَنْفَجِرَ غَضَباً؟ ثُمَّ عَنْ مَاذَا يَبْحَثُ، وَفِيمَا يُفَكِّرُ مُنْذُ مُدَّةٍ؟ هَلْ صَارَ يَخْرُفُ4؟
لاَ أَحَدَ مِنَ الأَوْلاَدِ وَجَدَ مَعْنًى لِتَصَرُّفِ الشَّيْخِ وَلاَ جَوَاباً لِحَيْرَتِهِ.
حَقّاً حَاوَلَ أَكْبَرُهُمْ اسْتِفْسَارَهُ حَوْلَ مَا يَشْغَلُ بَالَهُ فَلَمْ يَتَجَرَّأْ. وَبَيْنَمَا الاِبْنُ يَتَرَدَّدُ :  » أَسْأَلُهُ أَمْ لاَ؟ أُكَلِّمُهُ أَمْ خَيْرٌ لِي أَنْ أَسْكُتَ؟… » رَفَعَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ يَدَيْهِ كَمَا يَرْفَعُهُمَا اَلْعَاجِزُ الَّذِي لاَ حَوْلَ لَهُ وَلاَ قُوَّةَ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَى أَبْنَائِهِ نَظْرَةً ذَابِلَةً حَزِينَةً. وَبِدُونِ أَنْ يَقُولَ شَيْئاً، دَعَاهُمْ بِإشَارَةٍ خَفِيفَةٍ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْبَيْتِ حَالاً.
مِنْ سَاعَتِهَا، كَادَ الشَّيْخُ يَلْزَمُ الصَّمْتَ نِهَائِيّاً، إِذْ كَثُرَ تَفْكِيرُهُ وَقَلَّ حَدِيثُهُ. ثُمَّ ازْدَادَ مَرَضُهُ وَبَدَأَتْ صِحَّتُهُ تَتَدَهْوَرُ شَيْئاً فَشَيْئاً، وَيَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ.
مَرَّ شَهْرٌ كَامِلٌ وَالأَبُ عَلَى حَالِهِ : تَفْكِيرٌ عَمِيقٌ، وَكَلاَمٌ قَلِيلٌ…
ذَاتَ صَبَاحٍ وَعَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ، طَلَبَ الرَّجُلُ أَوْلاَدَهُ الأَرْبَعَةَ، فَأَقْبَلُوا مُسْرِعِينَ وَقُلُوبُهُمْ تَرْتَجِفُ.
قَالَ لَهُمْ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ خَافِتٍ:
- يَا بَنِيَّ! وَإِنْ كَانَتِ الأَعْمَارُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنِّي أُحِسُّ بِقُرْبِ الأَجَلِ. اِسْمَعُوا مِنِّي آخِرَ وَصِيَّةٍ. اِفْهَمُوهَا جَيِّداً، ثُمَّ اعْمَلُوا بِهَا مَا دُمْتُمْ أَحْيَاءً. سَأُفَارِقُ الْحَيَاةَ عَمَّا قَرِيبٍ. سَأَتْرُكُ لَكُمْ الْمَزْرَعَةَ الَّتِي خَدَمَتْهَا سَوَاعِدُ آبَائِي وَأَجْدَادِي. لاَ تَبِيعُوهَا مَهْمَا كَانَتِ الأَسْبَابُ، فَإِنَّ كَنْزاً ثَمِيناً مُخَبَّأٌ فِيهَا مُنْذُ زَمَنٍ!
سَكَتَ الشَّيْخُ لَحْظَةً وَرَاحَ يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ كَأَنَّهُ يُفَتِّشُ فِي ذَاكِرَتِهِ،
ثُمَّ وَاصَلَ:
- إِنَّنِي نَسِيتُ أَيْنَ هُوَ بِالضَّبْطِ، لَكِنْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْمُثَابَرَةِ، سَوْفَ تَكْتَشِفُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
 » اِقْلِبُوا الأَرْضَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ سُقُوطِ مَطَرِ الْخَرِيفِ، وَاحْفِرُوا كُلَّ بُقْعَةٍ وَانْبِشُوا كُلَّ مَكَانٍ. لاَ تَتْرُكُوا قِطْعَةً كَبِيرَةً وَلاَ صَغِيرَةً إِلاَّ وَاسْتَعْمَلْتُمْ فِيهَا الْفَأْسَ وَالْمَرَّ5.
 » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ! ثُمَّ ابْشِرُوا : فَكُلُّ قَطْرَةِ عَرَقٍ تَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِكُمْ لِتَسْقُطَ عَلَى التُّرْبَةِ، سَوْفَ تُعِينُكُمْ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْكَنْزِ. فَإِذَا عَثَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ كَثِيراً وَحَافِظُوا عَلَيْهِ دَوْماً.
وَحَذَارِ أَنْ تَأْخُذُوهُ لِوَحْدِكُمْ، وَإِنَّمَا اجْعَلُوا فِيهِ حَقّاً مَعْلُوماً6 لِلْفَقِيرِ وَالْعَاجِزِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ. هَلْ تُعَاهِدُونَنِي؟  »
- نَعَمْ، نَعَمْ يَا أَبَتَاهْ! نُعَاهِدُكَ عَلَى كُلِّ مَا أَوْصَيْتَنَا بِهِ، وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ شَهِيدٌ.
أشْرَقَ وَجْهُ الشَّيخِ فَرَحاً لَمَّا سَمِعَ أَبْنَاءَهُ يُعْطُونَهُ الْعَهْدَ، فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهُ. عِنْدَهَا، فَاضَتْ رُوحُهُ وَابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ مَرْسُومَةً عَلَى شَفَتَيْهِ : لَقَدِ الْتَحَقَ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى وَهُوَ رَاضٍ عَنْ أَوْلاَدِهِ الْمُطِيعِينَ.
أَقْبَلَ فَصْلُ الْخَرِيفِ وَنَزَلَتِ الأَمْطَارُ غَزِيرَةً. اِنْطَلَقَ الاِخْوَةُ إِلَى حَقْلِهِمْ وَأَدَوَاتُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ، هَذَا يَحْمِلُ مِجْرَفَةً وَذَاكَ فَأْساً وَآخَرُ مَرّاً وَرَابِعٌ مِمْشَاطاً7.
فَمَا إِنْ وَصَلُوا حَتَّى شَمَّرُوا عَلَى سَوَاعِدِهِمْ وَشَرَعُوا فِي حَفْرِ الأَرْضِ هُنَا، وَفِي تَقْلِيبِ التُّرَابِ هُنَاكَ…
اِنْقَضَى الْيَوْمُ وَلاَ أَثَرَ لِلْكَنْزِ! فِي الْغَدِ وَقَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ الطُّيُورُ أَوْكَارَهَا طَلَباً لِلطَّعَامِ، كَانَ أَصْحَابُنَا مُسْتَعِدِّينَ لِلْعَمَل. إِنَّهُمْ ضَاعَفُوا الْجُهْدَ مُنْذُ سَاعَاتٍ طِوَالٍ، لَكِنْ دَائِماً بِدُونَ جَدْوَى.
تَوَقَّفَ الْعُمَّالُ الأَرْبَعَةُ وَقَدْ تَمَلَّكَهُمْ بَعْضُ الْيَأْسِ، فَإِذَا بِصَوْتِ الْوَالِدِ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِمْ :  » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ! … »
فِي الْحِينِ، نَهَضُوا وَكُلُّهُمْ عَزْمٌ وَحَزْمٌ.
وَهَكَذَا تَوَاصَلَ عَمَلُهُمْ فِي الْمَزْرَعَةِ أُسْبُوعاً، فَمَا تَرَكُوا قِطْعَةً إِلاَّ وَاسْتَخْدَمُوا فِيهاَ الْفَأْسَ بِقُوَّةٍ وَالْمَرَّ بِنَشَاطٍ : أَيْنَ يَخْتَفِي الْكَنْزُ إِذَنْ؟ كَانَ الأَبُ الْوَقُورُ جَادّاً فِي كَلاَمِهِ. فَالْكَنْزُ مَوْجُودٌ حَقّاً، وَلَكِنْ أَيْنَ؟
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، شَاهَدَ الاِخْوَةُ جِيرَانَهُمْ يَحْرُثُونَ مَزارِعَهُمْ فَقَالَ كَبِيرُهُمْ :
- مَاذَا عَلَيْنَا لَوْ حَرَثْنَا مِثْلَهُمْ؟ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَضِيعَ جُهُودُنَا وَقَدْ صَارَتِ التُّرْبَةُ لَيِّنَةً!
وَمَا أَوْشَكَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ حَتَّى تَغَيَّرَ وَجْهُ الْحَقْلِ: يَا لَهَا مِنْ أَتْلاَمٍ8 مُسْتَقِيمَةٍ!
ثُمَّ رَأَوْا الْقَوْمَ حَوْلَهُمْ يَزْرَعُونَ فَقَالَ صَغِيرُهُمْ :
- لَقَدْ حَانَ وَقْتُ الْبَدْرِ، فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟
اُنْظُرُوا إِلَيْهِمْ وَسَطَ الْمَزْرَعَةِ، ذَاهِبِينَ، رَاجِعِينَ، يَأْخُذُونَ الْقَمْحَ حَفْنَةً بَعْدَ حَفْنَةٍ مِنْ مِزْوَدٍ صَغِيرٍ مُعَلَّقٍ إِلَى جَنْبِهِمْ الأَيْسَرِ!
ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ يَرْفَعُونَ يَدَهُمْ الْيُمْنَى عَالِيَةً إِلَى السَّمَاءِ، وَكَيْفَ يُشَتِّتُونَ الْبُذُورَ الذَّهَبِيَّةَ أَمَامَهُمْ بَيْنَ الأَتْلاَمِ بِمَهَارَةٍ كَبِيرَةٍ! أَهُنَاكَ حَرَكَةٌ أَجْمَلُ وَأجْلَى مِنْ حَرَكَةِ الزَّارِعِ وَهُوَ يُلْقِي الْحَبَّ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فِي أَرْضٍ خِصْبَةٍ سَخِيَّةٍ؟
حَلَّ فَصْلُ الشِّتَاءُ فَجَادَتِ السَّمَاءُ بِغَيْثِهَا الْمُبَارَكِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ الرَّبِيعُ الَّذِي كَسَا الْحَقْلَ حُلَّةً خَضْرَاءَ، فَاسْتَوَى الزَّرْعُ عَلَى سُوقِهِ9.
وَأَخِيراً أَقْبَلَ الصَّيْفُ بِشَمْسِهِ الْمُحْرِقَةِ وَصَرَاصِيرِهِ الْمُزْعِجَةِ، فَاصْفَرَّتِ السَّنَابِلُ وَنَضِجَ الْحَبُّ وَمَالَ إِلَى اللَّوْنِ الْبُنِيِّ.
سَاعَتَهَا، قَامَ الاِخْوَةُ بِمَنَاجِلِهِمُ الْحَادَّةِ اللاَّمِعَةِ يَحْصُدُونَ مِنْ طُلُوعِ النَّهَارِ إِلَى غُرُوبِهِ، وَوَصِيَّةُ الْوَالِدُ تُصَاحِبُهُمْ :  » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ!  »
فَهَا هِيَ ذِي الْحَزْمَةُ تُضَافُ إِلَى الْحَزْمَةِ، وَالْكُومَةُ إِلَى الْكُومَةِ!…
سُرَّ الاِخْوَةُ بِوَفْرَةِ الْغَلَّةِ حَيْثُ مُلِئَتْ أَكْيَاسٌ وَأَكْيَاسٌ مِنَ الْقَمْحِ الذَّهَبِيِّ الصَّافِي النَّاعِمِ، مِمَّا أَثَارَ إِعْجَابَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ الَّذِينَ هَنَّأُوهُمْ عَلَى كُلِّ هَدِهِ الْخَيْرَاتِ.
وَقْتَئِذٍ، تَفَطَّنَ أَصْحَابُنَا إِلَى مَا كَانَ يَعْنِيهِ أَبُوهُمُ، عِنْدَمَا رَاحَ يَأْخُذُ حَفْنَةَ التُّرَابِ وَيَسْتَنْشِقُهَا، كَمَا فَهِمُوا مَا كَانَ يَقْصِدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُمْ عَنِ الْكَنْزِ الْمَدْفُونِ.
أَثْنَى الأَبْنَاءُ عَلَى وَالِدِهِمْ وَتَوَجَّهُوا إِلَى قَبْرِهِ، فَطَلَبُوا لَهُ الرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ، تُمَّ جَدَّدُوا لَهُ الْعَهْدَ أَنْ لاَ يَتَخَلَّوْا أَبَداً عَنْ خِدْمَةِ الأَرْضِ، أَرْضِ الآبَاءِ والأَجْدَادِ. وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي تَخْزِينِ الْحَبِّ، وَزَّعُوا نَصِيباً مِنْهُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ.
أَجَل! لَقَدْ خَافَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَوْلاَدَهُ الإِرْثَ10 فَيُبَذِّرُونَ مَالَهُ لِيَبْقَوْا بَعْدَ ذَلِكَ عَالَةً عَلَى غَيْرِهِمْ، أَوْ خُدَّاماً عِنْدَ سِوَاهُمْ. فَكَمْ كَانَ حَكِيماً وَهُوَ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالْكَدِّ، وَعَلَى الأَكْلِ مِنْ عَرَقِ الْجَبِينِ وَالتَّشْمِيرِ عَلَى السَّوَاعِدِ : فَالْمَالُ، مَهْمَا كَثُرَ، يَضِيعُ وَيَفْنَى. أَمَّا الْعَمَلُ، فَهُوَ كَنْزٌ ثَمِينٌ يَدُومُ وَيَبْقَى …
**
1 لِحَاجَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ : تَصَرَّفُوا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامَ أَبِيهِمْ لِسَبَبٍ هُمْ يَعْرِفُونَهُ.
2 تَمُوجُ السَّنَابِلُ : تَمِيلُ وَتَرْتَفِعُ كَالأَمْوَاجِ بِسَبَبِ النَّسِيمِ.
3 اَلصَّبَّارُ : نَبَاتٌ فِيهِ شُوكٌ كَثِيرٌ، يُعْطِي فَاكِهَةً تُسَمَّى ‘ اَلتِّين الْهِنْدِي ‘
4 اَلرَّجُلُ يَخْرُفُ : فَسَدَ عَقْلُهُ مِنَ الْكِبَرِ فَصَارَ يَقُولُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً.
5 اَلْمَرُّ : أَدَاةٌ تُسْتَعْمَلُ لِقَلْبِ الأَرْضِ La bêche
6 حَقٌّ مَعْلُومٌ : زَكَاة الْحُبُوبِ – وَهِي عُشُرُ الْمَحْصُولِ – تُعْطَى لِلْمُحْتَاجِينَ.
7 اَلْمِمْشَاط : أَدَاة لَهَا أَسْنَانٌ Le râteau
8 أَتْلاَمٌ : مُفْرَدُهُ : تَلْمٌ وَهُوَ خَطُّ الْمِحْرَاثِ. (بِالتَّاءِ لاَ بِالثَّاءِ حَسْبَ الْمُنْجِد)Le sillon
9 السُّوقُ : مُفْرَدُهُ سَاق، وَهُوَ فِي النَّبَاتِ الْجُزْءُ الَّذِي يَحْمِلُ الْفُرُوعَ وَالأَوْرَاقَ
10 الإِرْثُ : مَا يَتْرُكُهُ الْمَيِّتُ لِلْوَرَثَةِ مِنْ أَثَاثٍ وَأَرَاضٍ وَمَبَانٍ وَمَالٍ…


Archive pour septembre, 2013

الكنز الدفين

الكنز الدّفين

تنبيه :
الفكرة العامّة مقتبسة من قصيدة
‘ الحرّاث وأبناؤه ‘
Le laboureur et ses enfants
لِلكَاتب الفرنسي لافونطين

نَادَى حَرَّاثٌ عَجُوزٌ أَوْلاَدَهُ الأَرْبَعَةَ وَقَالَ لَهُمْ :
- يَا أَبْنَائِي الأَعِزَّاءَ! إِنِّي مُشْتَاقٌ لِرُؤْيَةِ مَزْرَعَتِنَا الَّتِي قَضَيْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ فِي حَرْثِهَا وَخِدْمَتِهَا دُونَ أَنْ أُفَارِقَهَا يَوْماً وَاحِداً. وَهَا هُوَ ذَا الْمَرَضُ أَقْعَدَنِي عَنِ الْعَمَلِ وَحَرَمَنِي مِنْ إِلْقَاءِ نَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ عَلَيْهَا مُنْذُ سِتَّةِ شُهُورٍ.
فَهِمَ الاِخْوَةُ أَنَّ وَالِدَهُمْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ صَرَاحَةً حَمْلَهُ لِزِيَّارَةِ ‘ الأَرْضِ ‘، لَكِنَّهُمْ سَكَتُوا لِحَاجَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ1.
عِنْدَهَا، كَرَّرَ الشَّيْخُ كَلاَمَهُ مَرَّةً ثَانِيَّةً وَثَالِثَةً، فَاضْطَرَّ الأَوْلاَدُ أَخِيراً لِتَلْبِيَةِ رَغْبَتِهِ، ثُمَّ جَهَّزُوا عَرَبَةً وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الْمَزْرَعَةِ وَهُمْ كَارِهُونَ.
كَانَ الطَّرِيقُ مَحْفُوفاً بِحُقُولٍ شَاسِعَةٍ لاَ يَحُدُّهَا الْبَصَرُ، وَكَانَ النَّسِيمُ يَهُبُّ فَوْقَهَا فَتَمُوجُ سَنَابِلُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ2.
أُعْجِبَ الشَّيْخُ بِهَذَا الْمَنْظَرِ الْجَمِيلِ وَفَرِحَ كَثِيراً، حَتَّى إِنَّهُ نَسِيَ مَرَضَهُ، وَرَاحَ يُرَدِّدُ بِدُونِ انْقِطَاعٍ وَبِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ :  » اللَّهْ اللَّهْ، مَا شَاءَ اللَّه! مَا شَاءَ اللَّه!… »
لَمَّا أَشْرَفَتِ الْعَرَبَةُ عَلَى الْمَزْرَعَةِ، اِنْدَهَشَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ وَلَمْ يُصَدِّقْ عَيْنَيْهِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ :
 » مَا هَذَا؟ أَرَى الأَرْضَ حَمْرَاءَ جَرْدَاءَ، لاَ زَرْعَ فِيهَا وَ نَبَاتَ! أَلَمْ نُخْطِئِ الطَّرِيقَ؟ لاَ، لاَ، هِيَ بِعَيْنِهَا! لَقَدْ سَلَكْتُهَا مَعَ أَبِي وَعُمُرِي خَمْسُ سَنَوَاتٍ!  »
نَظَرَ الشَّيْخُ جَيِّداً وَأَضَافَ :  » ثُمَّ هَا هِيَ ذِي شَجَرَةُ التِّينِ فِي مَكَانِهَا، وَبِقُرْبِهَا الصَّبَّارُ3 الَّذِي غَرَسْتُهُ بِيَدِي! اَلْمَزْرَعَةُ مَزْرَعَتُنَا، لاَ شَكَّ فِي ذَلِكَ. لَكِنْ، مَا أَصَابَهَا؟ »
…وَأَخِيراً تَفَطَّنَ الْمِسْكِينُ وَفَهِمَ لِمَاذَا تَمَاطَلَ أَبْنَاؤُهُ فِي الاِسْتِجَابَةِ لِطَلَبِهِ. إِنَّهُمْ أَهْمَلُوا ‘ الأَرْضَ ‘! إِنَّهُمْ هَجَرُوهَا بِمُجَرَّدِ مَا لَزِمَ الْفِرَاشَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ!
اِعْتَصَرَ قَلْبُ الرَّجُلِ الْهَرِمِ أَلَماً وَحُزْناً، إِلاَّ أَنَّهُ تَجَلَّدَ وَحَبَسَ دَمْعَةً كَادَتْ تَنْزِلُ عَلَى خَدِّهِ الْمُتَجَعِّدِ. وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَتِ الْعَرَبَةُ، كَانَ قَدْ نَجَحَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ.
نَزَلَ الْوَالِدُ بِمُسَاعَدَةِ أَوْلاَدِهِ فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ وَشَرَعَ فِي عُبُورِ الْمَزْرَعَةِ طُولاً وَعَرْضاً، يَنْتَقِلُ بِبُطْءٍ مِنْ أَطْرَافِهَا إِلَى وَسَطِهَا، وَمِنْ وَسَطِهَا إِلَى أَطْرَافِهَا، دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بَكَلِمَةٍ. وَمِنْ حِينٍ لآِخَرَ، يَتَوَقَّفُ وَيُمَرِّرُ أَصَابِعَهُ النَّحِيفَةَ عَلَى لَحْيَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَيُطْرِقُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَتَذَكَّرُ أَمْراً هَامّاً نَسِيَهُ.
وَأَحْيَاناً أُخْرَى، كَانَ يَنْحَنِي إِلَى الأَرْضِ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ ثَمِينٍ ضَاعَ مِنْهُ. ثُمَّ يَأْخُذُ حَفْنَةَ تُرَابٍ فَيَشُمُّهَا مِثْلَمَا يَشُمُّ الصَّبِيُّ زَهْرَةً عَطِرَةً. أَمَّا أَبْنَاؤُهُ، فَقَدْ رَاحُوا يَتْبَعُونَهُ فِي خَطَوَاتِهِ الثَّقِيلَةِ، يَمْشُونَ إِذَا مَشَى، وَيَقِفُونَ إِذَا وَقَفَ، وَكُلُّهُمْ خَجَلٌ وَاسْتِغْرَابٍ،يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِالنَّظَرِ :
- مَاذَا أَصَابَ الْوَالِدَ فَجْأَةً؟ لِمَاذَا هَذَا السُّكُوتُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَنْتَظِرُ فِيهِ أَنْ يَنْفَجِرَ غَضَباً؟ ثُمَّ عَنْ مَاذَا يَبْحَثُ، وَفِيمَا يُفَكِّرُ مُنْذُ مُدَّةٍ؟ هَلْ صَارَ يَخْرُفُ4؟
لاَ أَحَدَ مِنَ الأَوْلاَدِ وَجَدَ مَعْنًى لِتَصَرُّفِ الشَّيْخِ وَلاَ جَوَاباً لِحَيْرَتِهِ.
حَقّاً حَاوَلَ أَكْبَرُهُمْ اسْتِفْسَارَهُ حَوْلَ مَا يَشْغَلُ بَالَهُ فَلَمْ يَتَجَرَّأْ. وَبَيْنَمَا الاِبْنُ يَتَرَدَّدُ :  » أَسْأَلُهُ أَمْ لاَ؟ أُكَلِّمُهُ أَمْ خَيْرٌ لِي أَنْ أَسْكُتَ؟… » رَفَعَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ يَدَيْهِ كَمَا يَرْفَعُهُمَا اَلْعَاجِزُ الَّذِي لاَ حَوْلَ لَهُ وَلاَ قُوَّةَ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَى أَبْنَائِهِ نَظْرَةً ذَابِلَةً حَزِينَةً. وَبِدُونِ أَنْ يَقُولَ شَيْئاً، دَعَاهُمْ بِإشَارَةٍ خَفِيفَةٍ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْبَيْتِ حَالاً.
مِنْ سَاعَتِهَا، كَادَ الشَّيْخُ يَلْزَمُ الصَّمْتَ نِهَائِيّاً، إِذْ كَثُرَ تَفْكِيرُهُ وَقَلَّ حَدِيثُهُ. ثُمَّ ازْدَادَ مَرَضُهُ وَبَدَأَتْ صِحَّتُهُ تَتَدَهْوَرُ شَيْئاً فَشَيْئاً، وَيَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ.
مَرَّ شَهْرٌ كَامِلٌ وَالأَبُ عَلَى حَالِهِ : تَفْكِيرٌ عَمِيقٌ، وَكَلاَمٌ قَلِيلٌ…
ذَاتَ صَبَاحٍ وَعَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ، طَلَبَ الرَّجُلُ أَوْلاَدَهُ الأَرْبَعَةَ، فَأَقْبَلُوا مُسْرِعِينَ وَقُلُوبُهُمْ تَرْتَجِفُ.
قَالَ لَهُمْ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ خَافِتٍ:
- يَا بَنِيَّ! وَإِنْ كَانَتِ الأَعْمَارُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنِّي أُحِسُّ بِقُرْبِ الأَجَلِ. اِسْمَعُوا مِنِّي آخِرَ وَصِيَّةٍ. اِفْهَمُوهَا جَيِّداً، ثُمَّ اعْمَلُوا بِهَا مَا دُمْتُمْ أَحْيَاءً. سَأُفَارِقُ الْحَيَاةَ عَمَّا قَرِيبٍ. سَأَتْرُكُ لَكُمْ الْمَزْرَعَةَ الَّتِي خَدَمَتْهَا سَوَاعِدُ آبَائِي وَأَجْدَادِي. لاَ تَبِيعُوهَا مَهْمَا كَانَتِ الأَسْبَابُ، فَإِنَّ كَنْزاً ثَمِيناً مُخَبَّأٌ فِيهَا مُنْذُ زَمَنٍ!
سَكَتَ الشَّيْخُ لَحْظَةً وَرَاحَ يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ كَأَنَّهُ يُفَتِّشُ فِي ذَاكِرَتِهِ،
ثُمَّ وَاصَلَ:
- إِنَّنِي نَسِيتُ أَيْنَ هُوَ بِالضَّبْطِ، لَكِنْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْمُثَابَرَةِ، سَوْفَ تَكْتَشِفُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
 » اِقْلِبُوا الأَرْضَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ سُقُوطِ مَطَرِ الْخَرِيفِ، وَاحْفِرُوا كُلَّ بُقْعَةٍ وَانْبِشُوا كُلَّ مَكَانٍ. لاَ تَتْرُكُوا قِطْعَةً كَبِيرَةً وَلاَ صَغِيرَةً إِلاَّ وَاسْتَعْمَلْتُمْ فِيهَا الْفَأْسَ وَالْمَرَّ5.
 » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ! ثُمَّ ابْشِرُوا : فَكُلُّ قَطْرَةِ عَرَقٍ تَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِكُمْ لِتَسْقُطَ عَلَى التُّرْبَةِ، سَوْفَ تُعِينُكُمْ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْكَنْزِ. فَإِذَا عَثَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ كَثِيراً وَحَافِظُوا عَلَيْهِ دَوْماً.
وَحَذَارِ أَنْ تَأْخُذُوهُ لِوَحْدِكُمْ، وَإِنَّمَا اجْعَلُوا فِيهِ حَقّاً مَعْلُوماً6 لِلْفَقِيرِ وَالْعَاجِزِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ. هَلْ تُعَاهِدُونَنِي؟  »
- نَعَمْ، نَعَمْ يَا أَبَتَاهْ! نُعَاهِدُكَ عَلَى كُلِّ مَا أَوْصَيْتَنَا بِهِ، وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ شَهِيدٌ.
أشْرَقَ وَجْهُ الشَّيخِ فَرَحاً لَمَّا سَمِعَ أَبْنَاءَهُ يُعْطُونَهُ الْعَهْدَ، فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهُ. عِنْدَهَا، فَاضَتْ رُوحُهُ وَابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ مَرْسُومَةً عَلَى شَفَتَيْهِ : لَقَدِ الْتَحَقَ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى وَهُوَ رَاضٍ عَنْ أَوْلاَدِهِ الْمُطِيعِينَ.
أَقْبَلَ فَصْلُ الْخَرِيفِ وَنَزَلَتِ الأَمْطَارُ غَزِيرَةً. اِنْطَلَقَ الاِخْوَةُ إِلَى حَقْلِهِمْ وَأَدَوَاتُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ، هَذَا يَحْمِلُ مِجْرَفَةً وَذَاكَ فَأْساً وَآخَرُ مَرّاً وَرَابِعٌ مِمْشَاطاً7.
فَمَا إِنْ وَصَلُوا حَتَّى شَمَّرُوا عَلَى سَوَاعِدِهِمْ وَشَرَعُوا فِي حَفْرِ الأَرْضِ هُنَا، وَفِي تَقْلِيبِ التُّرَابِ هُنَاكَ…
اِنْقَضَى الْيَوْمُ وَلاَ أَثَرَ لِلْكَنْزِ! فِي الْغَدِ وَقَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ الطُّيُورُ أَوْكَارَهَا طَلَباً لِلطَّعَامِ، كَانَ أَصْحَابُنَا مُسْتَعِدِّينَ لِلْعَمَل. إِنَّهُمْ ضَاعَفُوا الْجُهْدَ مُنْذُ سَاعَاتٍ طِوَالٍ، لَكِنْ دَائِماً بِدُونَ جَدْوَى.
تَوَقَّفَ الْعُمَّالُ الأَرْبَعَةُ وَقَدْ تَمَلَّكَهُمْ بَعْضُ الْيَأْسِ، فَإِذَا بِصَوْتِ الْوَالِدِ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِمْ :  » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ! … »
فِي الْحِينِ، نَهَضُوا وَكُلُّهُمْ عَزْمٌ وَحَزْمٌ.
وَهَكَذَا تَوَاصَلَ عَمَلُهُمْ فِي الْمَزْرَعَةِ أُسْبُوعاً، فَمَا تَرَكُوا قِطْعَةً إِلاَّ وَاسْتَخْدَمُوا فِيهاَ الْفَأْسَ بِقُوَّةٍ وَالْمَرَّ بِنَشَاطٍ : أَيْنَ يَخْتَفِي الْكَنْزُ إِذَنْ؟ كَانَ الأَبُ الْوَقُورُ جَادّاً فِي كَلاَمِهِ. فَالْكَنْزُ مَوْجُودٌ حَقّاً، وَلَكِنْ أَيْنَ؟
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، شَاهَدَ الاِخْوَةُ جِيرَانَهُمْ يَحْرُثُونَ مَزارِعَهُمْ فَقَالَ كَبِيرُهُمْ :
- مَاذَا عَلَيْنَا لَوْ حَرَثْنَا مِثْلَهُمْ؟ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَضِيعَ جُهُودُنَا وَقَدْ صَارَتِ التُّرْبَةُ لَيِّنَةً!
وَمَا أَوْشَكَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ حَتَّى تَغَيَّرَ وَجْهُ الْحَقْلِ: يَا لَهَا مِنْ أَتْلاَمٍ8 مُسْتَقِيمَةٍ!
ثُمَّ رَأَوْا الْقَوْمَ حَوْلَهُمْ يَزْرَعُونَ فَقَالَ صَغِيرُهُمْ :
- لَقَدْ حَانَ وَقْتُ الْبَدْرِ، فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟
اُنْظُرُوا إِلَيْهِمْ وَسَطَ الْمَزْرَعَةِ، ذَاهِبِينَ، رَاجِعِينَ، يَأْخُذُونَ الْقَمْحَ حَفْنَةً بَعْدَ حَفْنَةٍ مِنْ مِزْوَدٍ صَغِيرٍ مُعَلَّقٍ إِلَى جَنْبِهِمْ الأَيْسَرِ!
ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ يَرْفَعُونَ يَدَهُمْ الْيُمْنَى عَالِيَةً إِلَى السَّمَاءِ، وَكَيْفَ يُشَتِّتُونَ الْبُذُورَ الذَّهَبِيَّةَ أَمَامَهُمْ بَيْنَ الأَتْلاَمِ بِمَهَارَةٍ كَبِيرَةٍ! أَهُنَاكَ حَرَكَةٌ أَجْمَلُ وَأجْلَى مِنْ حَرَكَةِ الزَّارِعِ وَهُوَ يُلْقِي الْحَبَّ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فِي أَرْضٍ خِصْبَةٍ سَخِيَّةٍ؟
حَلَّ فَصْلُ الشِّتَاءُ فَجَادَتِ السَّمَاءُ بِغَيْثِهَا الْمُبَارَكِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ الرَّبِيعُ الَّذِي كَسَا الْحَقْلَ حُلَّةً خَضْرَاءَ، فَاسْتَوَى الزَّرْعُ عَلَى سُوقِهِ9.
وَأَخِيراً أَقْبَلَ الصَّيْفُ بِشَمْسِهِ الْمُحْرِقَةِ وَصَرَاصِيرِهِ الْمُزْعِجَةِ، فَاصْفَرَّتِ السَّنَابِلُ وَنَضِجَ الْحَبُّ وَمَالَ إِلَى اللَّوْنِ الْبُنِيِّ.
سَاعَتَهَا، قَامَ الاِخْوَةُ بِمَنَاجِلِهِمُ الْحَادَّةِ اللاَّمِعَةِ يَحْصُدُونَ مِنْ طُلُوعِ النَّهَارِ إِلَى غُرُوبِهِ، وَوَصِيَّةُ الْوَالِدُ تُصَاحِبُهُمْ :  » اِعْمَلُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْمَلَلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَسَلَ!  »
فَهَا هِيَ ذِي الْحَزْمَةُ تُضَافُ إِلَى الْحَزْمَةِ، وَالْكُومَةُ إِلَى الْكُومَةِ!…
سُرَّ الاِخْوَةُ بِوَفْرَةِ الْغَلَّةِ حَيْثُ مُلِئَتْ أَكْيَاسٌ وَأَكْيَاسٌ مِنَ الْقَمْحِ الذَّهَبِيِّ الصَّافِي النَّاعِمِ، مِمَّا أَثَارَ إِعْجَابَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ الَّذِينَ هَنَّأُوهُمْ عَلَى كُلِّ هَدِهِ الْخَيْرَاتِ.
وَقْتَئِذٍ، تَفَطَّنَ أَصْحَابُنَا إِلَى مَا كَانَ يَعْنِيهِ أَبُوهُمُ، عِنْدَمَا رَاحَ يَأْخُذُ حَفْنَةَ التُّرَابِ وَيَسْتَنْشِقُهَا، كَمَا فَهِمُوا مَا كَانَ يَقْصِدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُمْ عَنِ الْكَنْزِ الْمَدْفُونِ.
أَثْنَى الأَبْنَاءُ عَلَى وَالِدِهِمْ وَتَوَجَّهُوا إِلَى قَبْرِهِ، فَطَلَبُوا لَهُ الرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ، تُمَّ جَدَّدُوا لَهُ الْعَهْدَ أَنْ لاَ يَتَخَلَّوْا أَبَداً عَنْ خِدْمَةِ الأَرْضِ، أَرْضِ الآبَاءِ والأَجْدَادِ. وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي تَخْزِينِ الْحَبِّ، وَزَّعُوا نَصِيباً مِنْهُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ.
أَجَل! لَقَدْ خَافَ الْحَرَّاثُ الْعَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَوْلاَدَهُ الإِرْثَ10 فَيُبَذِّرُونَ مَالَهُ لِيَبْقَوْا بَعْدَ ذَلِكَ عَالَةً عَلَى غَيْرِهِمْ، أَوْ خُدَّاماً عِنْدَ سِوَاهُمْ. فَكَمْ كَانَ حَكِيماً وَهُوَ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالْكَدِّ، وَعَلَى الأَكْلِ مِنْ عَرَقِ الْجَبِينِ وَالتَّشْمِيرِ عَلَى السَّوَاعِدِ : فَالْمَالُ، مَهْمَا كَثُرَ، يَضِيعُ وَيَفْنَى. أَمَّا الْعَمَلُ، فَهُوَ كَنْزٌ ثَمِينٌ يَدُومُ وَيَبْقَى …
**
1 لِحَاجَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ : تَصَرَّفُوا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامَ أَبِيهِمْ لِسَبَبٍ هُمْ يَعْرِفُونَهُ.
2 تَمُوجُ السَّنَابِلُ : تَمِيلُ وَتَرْتَفِعُ كَالأَمْوَاجِ بِسَبَبِ النَّسِيمِ.
3 اَلصَّبَّارُ : نَبَاتٌ فِيهِ شُوكٌ كَثِيرٌ، يُعْطِي فَاكِهَةً تُسَمَّى ‘ اَلتِّين الْهِنْدِي ‘
4 اَلرَّجُلُ يَخْرُفُ : فَسَدَ عَقْلُهُ مِنَ الْكِبَرِ فَصَارَ يَقُولُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً.
5 اَلْمَرُّ : أَدَاةٌ تُسْتَعْمَلُ لِقَلْبِ الأَرْضِ La bêche
6 حَقٌّ مَعْلُومٌ : زَكَاة الْحُبُوبِ – وَهِي عُشُرُ الْمَحْصُولِ – تُعْطَى لِلْمُحْتَاجِينَ.
7 اَلْمِمْشَاط : أَدَاة لَهَا أَسْنَانٌ Le râteau
8 أَتْلاَمٌ : مُفْرَدُهُ : تَلْمٌ وَهُوَ خَطُّ الْمِحْرَاثِ. (بِالتَّاءِ لاَ بِالثَّاءِ حَسْبَ الْمُنْجِد)Le sillon
9 السُّوقُ : مُفْرَدُهُ سَاق، وَهُوَ فِي النَّبَاتِ الْجُزْءُ الَّذِي يَحْمِلُ الْفُرُوعَ وَالأَوْرَاقَ
10 الإِرْثُ : مَا يَتْرُكُهُ الْمَيِّتُ لِلْوَرَثَةِ مِنْ أَثَاثٍ وَأَرَاضٍ وَمَبَانٍ وَمَالٍ…

little voice |
Bouillon de culture |
alacroiseedesarts |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Sud
| éditer livre, agent littéra...
| levadetaava